المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : على ضفاف نهر الدم الحسيني


bint alkhaleg
06-04-28, 09:57 PM
1- ان من المهم جدا ان نعيد تقييم انفسنا منجديد ، عندما يمر علينا موسم عبادى : كشهر رمضان ومحرم ، لنرى ما هى العطاءات التىخرجنا منها ؟.. وهل انها كانت متناسبة مع قوة عطاء الموسم؟.. وهل اننا حافظنا علىتلك العطاءات ؟.. وما هو الاستثمار الافضل لها بعد انتهاء الموسم ؟.. فان الكثيريعيش حالة الارتياح لما كان فيه ، من دون ان يكون قلقا لما سيكون عليه !! ..والشيطان - كما اعتدنا عليه - حريص على مصادرة مكتسبات المؤمن فى اول منعطف فىحياته .. فهل نحن حذرون من ذلك ؟

2-ان حركة الحسين (عكانت اسلوب حياة فى التعامل مع النفس والآخرين ، فانه اراد ان يعلمنادرس العبودية فى كل مراحل حركته المباركة .. فنراه يخرج من جانب البيت الالهى الآمن، عندما يرى رضا ربه فى ذلك .. ونراه يعرض عياله للاسر والسبى ، عندما يرى بان اللهتعالى شاء ان يراهن سبايا .. ويعرض نفسه لاقصى صور الهتك والتعذيب ، عندما يرى بانالله تعالى شاء ان يراه قتيلا .. وقد لخصت اخته زينب كل هذه الدروس عندما اعلنتبتحد صارخ لطاغية زمانها : ( ما رأيت إلا جميلا ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتلفبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتخاصم ، فانظر لمن الفَلَج (أي الظفر ) يومئذ ، ثكلتك أمك يا بن مرجانة ! ).


3- انمبدا الحواروالتفاهم بالخطاب، هو الاسلوب المتعارف فى تبليغ رسالاتالانبياء (ع) وهو ما يمثله قوله تعالى : { وان من امة الا خلا فيها نذير } ، ولكنيصل الامر فى فساد المتسلط على رقاب الامة ، الى درجة لا يكون الانذار والبلاغكافيا لردع الباطل الاكبر: وهو فساد من اذا فسد، فسدت الامة به - اذ الناس على دينملوكهم - فيلزم القيام بحركة ما وراء البيان والبلاغ ، الا وهو القيام بحركة غيرمتعارفة من بذل الدم ، لتستفيق الامة من اعماقها ، على فساد ذات الحاكم ، بعدماغفلت الامة عن فساد اعمال الحاكم!! .. ومن هنا انهار الحكم الاموى بسنوات قصيرة منمقتل الحسين (ع) ، بل اعتبرت ثورته هي ام الثورات التى انبثقت فى صفوف الامة ، التىلم تعهد مثل ذلك قبل مقتل الشهيد (ع) .


4- اننا لاحظنافى هذا العام وفى كل عام : مدى انتشار مجالس اقامة ذكر الحسين (ع) بما احيتفينا الامال ، بانه لا زال هناك قلب نابض فى جسم هذه الامة ، ذلك القلب الذى يستمددمه من الدماء الزكية فى وادى الطف !!.. كل ذلك ببركة ذكرى معصوم من خط الولايةوالامامة ، فكيف اذا حضر شخص المعصوم الاخير من تلك السلسة المباركة ؟! .. ولنتصورمدى احتفاء القلوب المتعطشة للعدالة ، فى شرق الارض وغربها ، بعدما يئست من كلالاطروحات المدعية اسعاد البشرية ؟

5- ان من دروسكربلاء هو : الجمع بين العفاف فى منتهى درجاته ، وبين الذب عن الدين بمااوتى الفرد من قوة .. فهذه زينب (ع) التى لم ير فى الخدر والحياء مثلها ، وكان على (ع) يحاول اخفاء خيالها عن غير المحارم ، عندما كان يطفئ السراج او يخفته - عندزيارتها لقبر جدها رسول الله (ص) - ولكنها مع ذلك كانت اللسان الناطق باسم الشريعة، فى محضر امام زمانها السجاد (ع) .. ومن هنا صح ان يقال : كما ان الاسلام محمدىالوجود حسينى البقاء ، فان حركة الاصلاح كانت : حسينية الحدوث، زينبية البقاء !!

6- هناك شبه كبير بينمعاملة الله تعالىلخليله ابراهيم وبين ذبيحه الحسين ( عليهما السلام ) وذلك فى ان الله تعالى جعلافئدة من الناس تهوي اليهم ، فان ما نلاحظه من اقبال الناس على ذكر الحسين (ع)واقامة عزائه لمن المذهل من الامور!! .. فكما انه نرى حتى بعض غير الملتزمين طوالالعام تهفو نفوسهم الى حج البيت فكذلك نلاحظ هذا الفريق نفسه يبدون ولاء لا يتناسبمع طبيعة مرحلتهم ، بما نعلم ان هناك تصرفا الهيا فى القلوب ، وكأن هذه الحركة فىموسمى الحج ومحرم ، استجابة لدعوة ابراهيم .. ولا ريب ان ملاك هوى القلوب لآل محمد (ص) فى وادى الشهادة فى سبيل الله تعالى ، يشابه مع ملاك هوى القلوب لآل ابراهيم (ع) فى واد غير ذى زرع !!.

7- ان ما عشناه فى اياممحرم - وان كانت من النعم الالهية حيث اذاقنا حرارة محبة الحسين (ع) التيجعلها النبي (ص) من علامات الايمان - ولكنه فى الوقت نفسه اتمام للحجة علينا جميعا، فان المؤاخذه الالهية بعد النفحات القدسية ، اسرع الى العبد مما لو كان محرومامنها .. فان الممنون عليه ليس كالمحروم ، والعالم ليس كالجاهل !! .. اوهل يكفى اننخرج من الموسم بالدموع والآهات ، من دون ان نرى تغييرا مهما فى مسيرة الحياةتحقيقا لاهداف الشريعة ؟!..

8- ان من دروس عاشوراءالمهمةهو الحذر من سوء العاقبة ، فان البعض ممن شارك فى كربلاء – كما نقل -كان من اصحاب علي (ع) ولكن بلغ سوء العاقبة بهم الى ان شركوا في قتل امام زمانهم !!.. وهؤلاء كثيرون طوال التاريخ ممن صدر اللعن فى حقهم من قبل ائمة الهدى ، والذينكانوا يوما فى فى ركابهم !!.. فلا بد من ان يراعى كل فرد منا هذه البذور الخفيةللانحرافات العظمى فى الحياة - وخاصة في حقل العقائد - فان من سمات آخر الزمان هوالمسخ الفكرى الذى نعتقد ان من اسبابه : المعاصى الكبيرة ، معاشرة المنحرفين ، اكلالسحت ، طلب الدنيا بالدين ، الاستماع الى زخرف القول الذي يلقيه الشيطان لاوليائه،كما ذكر القرآن قائلا : { وان الشياطين ليوحون الى اوليائهم ليجادلوكم }.

9- يظن البعض أن مسألةالنهضة الحسينية واقعةتاريخية ، انتهت بموت العناصر المتواجهة فيها ، وهذا خطأ جسيم .. فكما أن تاريخالمواجهات لم تمت - طوال التاريخ - بين الأنبياء وأعدائهم ، ومن هنا جعله القرآنعبرة لأولي الألباب ، فكذلك قضية الحسين (ع) خالدة ، لان منهجه ( منهج المواجهة معالظلم الفكري والعملي ) لا زال حياً ماثلاً للجميع .. فمتى مات الباطل ، لتموتالمواجهة معه ؟..

10- إن الحسين (ع)في زمانأخيه الحسن (ع) كان رمزاً لطاعة إمام زمانه ، رغم انه يشترك مع أخيه في وصف السيادةلأهل الجنة ، ولهذا نراه يتعامل مع أخيه الإمام معاملة المأموم .. وهذا درس فيزماننا المعاصر ، وهو أن نعيش حالة الطاعة المطلقة لبقية الماضين من سلسلة الائمةالاثني عشر .. وثمرتها في زمان الغيبة ، هو الرجوع إلى المجتهد : الصائن لنفسه ،والمطيع لمولاه ، والمخالف لهواه ، كما ورد في الحديث الشريف.

11- أن مأساة الحسين (ع)بدءً من خروجه من المدينة ، الى عودةسباياه الى المدينة مرة اخرى ، وما بينهما من الاحداث الجسام ، رغم تعدد الوانهاالمأساوية ، إلا أنها مصطبغة بلون واحد ، وهو العنصر المميز لكل حركته ، الا وهيالعبودية المطلقة لله رب العالمين ، وهي تتجلى تارة : في مناجاته مع رب العالمين فيمقتله .. وتارة في صلاة اخته زينب (ع) في جوف ليلة الحادي عشر من محرم .. وتارة فيمناجاة السجاد (ع) مع ربه والاغلال الجامعة في عنقه الشريف! .

12- من معالم الثورة الحسينية، حرص سبايا الحسين (ع) تبليغرسالته في شتى الظروف القاسية ، وذلك بمنطق المنتصر ، وان كان مغلوباً ظاهرا.. فهذهزينب (ع) يصفها الراوي : ما رأيت خفرة ( أي شديدة الحياء ) بأنطق منها.. فإنها جمعتبين : كمال الالتزام بما تمليه الشريعة على الانثى عند حديثها مع الرجال ، وبينبيان المنهج الفكري الذي ينبغي أن ترجع اليه الامة ، والتي من اجلها ضحى اخوهاالحسين (ع) بنفسه.

13- ان الطبع البشرييميلالى تخليد الذكر ، وبقاء الاثر بعد الرحيل من هذه الدنيا الفانية.. ولا سبيل الىذلك ، إلا بالارتباط بمبدأ الخلود ، فهو الذي لو بارك في عمل أو وجود ، ربطه بأسبابالدوام والخلود ، كما ورد فيما اوحاه الله تعالى الى نبي من انبيائه : ( اذا اطعترضيت ، واذا رضيت باركت ، وليس لبركتي نهاية ) وهو ما نراه متجليا في نهضة الحسين (ع).. ففي كل سنة تمر علينا ذكراه ، وكأنها ذكرى جديدة ، وسيبقى الامر كذلك ، الىظهور الدولة الكريمة لولده المهدي (ع) الذي يثأر لخط الظلم الذي بدأ بقتل هابيل ،واستمر طوال التاريخ مرورا بكربلا ، الى اليوم الاخير لما قبل الظهور.

14- لئن كانت العشرة الاخيرةمن شهر رمضان ، محطة تركيز علىالعلاقة الخاصة مع رب العالمين ، من الزاوية الفردية للعبادة .. فان العشرة الاولىمن شهر محرم الحرام ، تمثل محطة تركيز ايضا على تلك العلاقة من الزاوية الاجتماعيةللعبادة ، تاسيا بسيد الشهداء (ع) الذي مارس أرقى صور العبودية لرب العالمين ، منخلال استنقاذ العباد من الجهالة وحيرة الضلالة ، مجسدا بذلك شعار احياء الخلق ،لانهم عباد الله .. واحب الخلق الى الله انفعهم لعياله .

16- ان من اعظموظائف المحبين في هذه الايام ، هو تجسيد الحب - لا من خلال مظاهر العزاء فحسب - بل من خلال الترجمة العملية لهذا الحب .. اذ الحبليس الا التجانس بين المحب والمحبوب ، وهذا التجانس لا يتم بالدعوى المجردة ، بلبمحاولة التقريب بين الذات المحبة والذات المحبوبة في الصفات والملكات .. وان اعظمقربان يقرب الى الله تعالى في هذه الايام ، هو نفي إنية النفس الأمارة : اجتثاثالملكة خبيثة ، اواقلاعا عن منكر نعكف عليه .

17- انالبكاء على سيد الشهداء (ع)يعتبر مشاطرة لجميع الانبياء والاوصياء فيتاثرهم بمصيبة الحسين (ع) .. إذ لم يتحقق على وجه الارض منذ ان خلق آدم ، كارثةجامعة لكل صور المصيبة في : النفس والعيال حتى في الطفل الرضيع كمصيبة الحسين (ع) .. ومن المعلوم ان هذه الظلامة قائمة ، لم يتحقق القصاص منها قبل خروج القائم (ع) ،فإن مرور الليالي والايام ، لا يخفف ثقل هذا الرزء الجلل الذى اقشعرت له اظلة العرشقبل اركان الارض .. ولا ننسى ان صاحب دعاء عرفة بعرفانه البليغ لرب العالمين ، هوالذي وطاته الخيل بحوافرها ، وترك على رمضاء نينوى بلا غسل ولا كفن !

18- إذا أردنا أن نصفما جرى في كربلاء بعبارة موجزة ، فإن منخير ما يقال في هذا المجال : أن الذين حضروا تلك الواقعة لم تبق لهم ذوات حاكمة فيقبال مرضاة الله سبحانه وتعالى .. وهذا هو مقام الفناء في الله ، الذي طالما طرحهالقوم نظرية في عالم التصور ، إلا أنها تحققت على صعيد كربلاء في فتية صدقوا ماعاهدوا الله تعالى عليه.

19- إن الذين ضحوابارواحهم للاسلام مع الحسين (ع) كانت من شرائح مختلفة .. فمنهم من هو قديمالعهد في الوفاء لرب العالمين كحبيب بن مظاهر ، ومنهم من هو جديد العهد بالهدايةكالحر بن يزيد ، ولكن العاقبة كانت واحدة ألا وهي الاستقرار في مقعد الصدق عند مليكمقتدر ، مما يدفع أحدنا لعدم اليأس مهما غرق في بحر المعاصي ، فإن الأموربخواتيمها.

20- إن دور الإمامفي قيادة الأمةيتجلى من خلال واقعة الطف أيضاً .. فإن النفوس الصالحة من أصحابه الميامين لم تكنلتصل إلى ملكة الرشد والكمال الفعلي إلا من خلال رعايته وتربيته الروحية والعقائدية .. وهكذا لو ثنيت الوسادة للمعصوم (ع) في الأمة ، لحوّل الطاقات الكامنة فيها إلىملكات فعلية ، تتجلى في التضحية والإيثار في سبيل المبدأ .. ومن هنا يشتد أسفنا لماوقع من الظلامة على أوصياء النبي (ص) بتنحيتهم عن هرم الهداية والارشاد بشتى صورالظلم .

21- هنالك صورمن التضحية والفداء ، يقفالإنسان أمامهـا مدهوشاً ، فهذا وهب بن عبد الله يقاتل مع الحسين (ع) ثم يسأل أمه :يا أماه أرضيت ؟!.. فتقول : ما رضيت أو تقتل بين يدي الحسين (ع) ، ثم ذهبت امرأتهتمسح الدم عن وجهه ، فبصر بها شمر فأمر غلاما له فضربها بعمود كان معه ، فشرخهاوقتلها وهي أول امرأة قتلت في معسكر الحسين (ع).

22- تأمل في الولاءالمذهل لولي الأمر ، حتى في اللحظات الأخيرة من الحياة التييذهل فيها العبد عن كل شيء.. فهذا حبيب بن مظاهر يدنو من مسلم بن عوسجة ليسمعه يقولبصوت خفي: أوصيك بهذا !.. وأشار إلى الحسين (ع) ، فقاتل دونه حتى تموت. فقال لهحبيب : لانعمنّك عيناً ، ثم مات رضوان الله تعالى عليه.

23- وهذا أبو ثمامه الصيداوييقول للحسين (ع) : أحب أن ألقىالله ربي وقد صليت هذه الصلاة ، فقال الحسين (ع) : ذكرت الصلاة جعلك الله منالمصلين ، فصلى الحسين (ع) بهم صلاة الخوف .. وكان سعيد بن عبد الله الحنفي أمامالحسين (ع) يقوم بين يديه كلما أخذ الإمام (ع) يمينا وشمالاً في صلاته ، ويتلقىسهام الأعداء فوجد به ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف.

24- وهذا جون مولىأبي ذر يقول للحسين : يا بن رسول الله!..أنا في الرخاء ألحس قصاعكم ، وفي الشدة أخذلكم ، والله إن ريحي لمنتن ، وإن حسبيللئيم ، ولوني لأسود ، فتنفس عليّ بالجنة ، فتطيب ريحي ويشرف حسبي ، ويبيّض وجهي !.. لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم .

25- خرج شابقتل أبوه في المعركة ، وكانت أمه معه ، فقالت لهأمه: اخرج يا بني !.. وقاتل بين يدي ابن رسول الله .. فخرج فقال الحسين : هذا شابقُتـل أبوه ، ولعل أمه تكره خروجه ، فقال الشاب: أمي أمرتني بذلك.. وقاتل حتى قُـتلوجزّ رأسه ورمي به إلى عسكر الحسين (ع) ، فحملت أمه رأسه ، وقالت: أحسنت يا بني!..يا سرور قلبي ويا قرة عيني.









واخيرا نسأل الله تعالى أن يثبت أقدامنا بولاية آل البيت عليهم السلام وأن يرحم والدينا وامواتنا وأمواتكم ونسأله أن يجمعنا بهم ثانية في جنة قطوفها دانية كما جمعنا بهم في هذه الدنيا الفانية


ونأسف على الاطالة وفي أمان الله وحفظه



[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]