المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حب بعد الموت @@


ولد الحساوي
05-10-14, 04:10 PM
تحيــة طيبة


ركب خلف مقود سيارته تائه لا يعرف أين يذهب يمشي في شوارع كأنه لم يمشي بها من قبل ، نظر إلى المرآة ليرى الكرسي الخلفي الذي ينام عليه وسام ابنه الصغير والوحيد ينظر لوجهه وكأنه يراه لأول مرة ، الدموع ماتزال على خديه الصغيرين ويتنفس كأنه يتنهد من طول التعب ماذا يفعل تراجع ذاكرته كل الأحداث ،......... هذا ما كان في غير الحسبان طوال حياته يمشي ويحسب كل خطوة قبل أن يمشيها مئة مرة، ولكن هذه كانت الصاعقة الكبرى تذكر كيف كان جالساً في مكتبه ليرن هاتفه الخاص إنها أم زوجته استغرب الأمر فطوال خمس سنوات لم تتصل به أبداُ اتصالها أقلقه، رد مرتبكاً : " ألو " فجاءه صوتها مرتعشاً من كثرة البكاء :" ألحقني " هنا تشنجت كل أطرافه رد صارخاً : " ماذا جرى لوسام " ردت تجهش بالبكاء أكثر: " أنه بخير " فرد مقاطعاً إياها عمي حصل له شيء فهدئت مستغربة عدم سؤاله عنها : "عمك بخير إنها لبنى " سكت وكأنه خجل مما قاله كيف لم تخطر بباله وهي زوجته على مدار خمس سنوات فجاوب مسرعاً ومحاولاً إظهار اللهفة وكأنه لازال غير مصدق "ماذا حصل لها " قالت له وكأنها أحست : " لقد نقولها إلى المشفى أسرع " أغلق الهاتف وأخذ يفكر ليس في الحادث بل في زوجته بذاتها كيف لم تخطر على باله من الممكن أنه تعود عليها قوية لا تشتكي ولا تمرض طوال الخمس سنوات فلم يعد يعتقد أنها تمرض أو أن شيئاً يحصل لها .
نزل مسرعاً وركب السيارة في طريقه للمشفى ، وأخذت ذاكرته تعود ليوم رآها أول مرة وكيف أن أمه اختارتها وقالت له أنها فتاة صالحة جداً متعلمة على دين وخلق وعلى قدر من الجمال ، لم يفكر بأن ينظر إليها أو حتى يتعرف إليها فقد كانت مواصفاتها تتفق مع ما رسمه في خياله عن الزوجة التي في حياته وهو معروف بجماله وكرمه وأخلاقه وتمت الخطبة دون حتى أن يفكر أن يمسك بيدها ولايذكر من وجهها في تلك الفترة سوى الابتسامة التي لا تمحى عن وجهها الناصع البياض ، يوم الخطبة أمسك بيدها ليلبسها الخاتم لم تكن ذات فرق عن يد صديق أو أخ أبداً .
وتم الزواج وكأنه شيء مرسوم ومخطط ، كل شيء في ميعاده بالثانية وبكامل الدقة من باقة العروس إلى عدد المدعوين كان معها وكأنه ينفذ واجباً من واجبات حياته اليومية ، ولكنها لم تفارق الابتسامة وجهها وهي بكامل الرضا كانت تعالج كافة شؤون المنزل لوحدها دون الرجوع إليه فهو يترك المصروف ويترك لها حرية التصرف ، وكل شيء بكامل الدقة الزيارات العائلية وغير العائلية لاشيء غير متوقع فهو يكره المفاجآت وهي تعلم بذلك تماماً فكانت تتصل بالمواعيد التي تعود أن تتصل بها تسهر على مرضه صامتة طوال الليل والنهار لا تتذمر لا تشتكي .
حملت وأنجبت وسام ، حتى موعد ولادتها كان في نفس الوقت المحدد من قبل الطبيب وحتى لا تزعجه بالمخاض ذهبت إلى المشفى من قبل ليلة من ولادتها حتى لا تربكه ، وعندما أخذ ابنه من بين يديها ليراه في المرة الأولى حتى لم يفكر أن ينظر إلى عينيها التي كانت تحكي حكاية الفرح عن العالم بأسره , حتى حياة ابنه لم يتدخل فيها كانت هي المسئولة الأولى والأخيرة كل شيء , حتى اليوم قبل أن ينزل من البيت نظر إليها رآها شاحبة ولكن لم يظن أنها مريضة أو يتوقع ذلك .
وصل إلى المشفى أخذ يسأل عن مكانها في الاستقبال فأرشدوه وهو يحس أن العالم يفاجئه لأول مرة بشيء لم يكن يتوقعه ، دخل الممر فرأى أم زوجته وعمه وابنه الصغير يبكون بحرقة ركض ابنه الصغير إليه قائلاً والدموع تغسل وجهه كل :" ماما ماما مريضة كثير يا بابا " فأخذه بين يديه ضمه لصدره وقال له :" لأ إن شاء الله رح تكون بخير " ثم ترك وسام لجدته التي مالت برأسها تلمح له عن مكان غرفة لبنى ذهب متثاقل الخطى وكأنه لا يريد أن يدخل أو كأن لديه إحساس بأنه سيرى شيء لم يتخيله في حياته فتح الباب بهدوء ونظر في كل أركان الغرفة قبل أن ينظر إليها كانت مليئة بالأجهزة ، اقترب من السرير وهو لم ينظر إليه بعد حتى أحس بيدها تلامس يده لأول مرة يحس بحرارة يدها ، نظر إليها وأحس بأن قلبه قد ذاب وجعاً عليها إنها ممددة هناك بين مئات الأنابيب و كمامة الأوكسجين على وجهها الصغير وعينيها حولهما هالة من السواد والتعب ، كانت غير قادرة على الحركة ، فأشارت له أن ينزع عنها الكمامة ، وكأنها تريد أن تقول شيء مد يداً مرتعشة إليها ونزع عنها الكمامة للمرة الأولى لم تكن ابتسامتها كما هي شعر بالرعب العالم ينهار من حوله أشارت إليه أن يجلس بقربها ففعل كأنه مراهق يجلس بجانب فتاة للمرة الأولى فهو لا يعرف شيئاً عن هذه الأمور العاطفية فأحس بحرارة الحمى تسري في جسدها ولكن حتى لا يشعرها ابتسم لها وربت على يدها فكانت كأنها امتلكت السماء قالت له وهي تتساقط منها بعض الأحرف : "أنا آسفة أنا أعرف انك لا تحب المفاجآت ولكن لم يكن بيدي " كلماتها جعلته يشعر بأنه طُعن في قلبه لهذه الدرجة كانت قسوته معها فقال لها : " أنك أغلى ما أملك فكيف تعتذري أعذريني أنا على تأخيري ولكن لا تخافي أنا هنا معك وبجانبك " عادت لها ابتسامتها هو نفسه استغرب كيف قال هذا الكلام العاطفي ولكن أحسه نابعاً من قلبه قالت له والأنفاس بدأت تخذلها :" أحبك لم أجرؤ على أن أقولها يوماً ولكن أخاف الموت قبل أن تسمعها " قالتها وأخذت يدها بالانسحاب من بين يديه أحس وكأن العالم يعلن نهايته ، هناك ألف كلمة يريد أن يقولها لها ، ولكن لم تنتظره .
لماذا لماذا لم يستغل فرصة خمس سنوات ليقولها ، أطلق صرخة أعلنت بداية عالمه الموحش ، أتت على أثرها كل عائلتها لم يسمع أو يرى أحداً منهم وكان ينظر لوجهها فقط وكأنه يكتشفها ويرى جمالها لأول مرة ، أخذت أمها تصرخ وتقول :" لقد كانت تعاني من السرطان لمدة خمسة أشهر ولم تخبر أحداً . طوال حياتها لا تحب أن تجعل أحداً حزيناً أو قلقاً عليها كانت هي دائماً من تقلق على الجميع " ، خمسة أشهر أعاد الكلمات في رأسه كيف لم يشعر بها كيف وهو بجانبها لقد رآها شاحبة منذ فترة ولكن حتى لم يفكر بأن يسألها ظناً منه أنها إن أرادت شيئاً ستطلبه ، لم يعلم أنها لا تريد أن تزعجه أو تضايقه . آه كم أحبها كلمة قالها في رأسه ونظر إليها وأخذها بين ذراعيه ووضع يده على ولده الذي كان يبكي على صدر أمه رغم أنه لا يعرف ما هو الموت ولكن لأن أمه لا ترد عليه كان يبكي ، ونظر إلى وجه وسام وقال في نفسه هذا كل ما تبقى لي منها سأعوض الحب الذي حرمتها منه طوال حياتها بان أكرس حياتي لرعايته ..............سيكون حبي له هو ثمرة لحبي لها .

كاتبة المقال ،،، مهــــا

تحيـــاتي للجميـــع